عبد الملك الجويني
432
نهاية المطلب في دراية المذهب
3362 - ومما ذكره الشافعي : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة " ( 1 ) فأما الملامسة ، فلها تأويلان : أحدهما - أن يجعلا نفس اللمسِ بيعاً ، فيقول صاحب الثوب لطالبه إذا لمست ثوبي ، فهو مبيعٌ منك بكذا . هذا أحد التأويلين ، ولا شك في فساد البيع عليه . وقيل : الملامسة معناها أن يتبايعا سلعة في ظلمة الليل ، وجعلا لمسها قاطعاً لخيار الرؤية ، فيقيما اللمس مقامَ الرؤية . وهذا باطل ؛ فإنا إن منعنا بيع مالم يره المشتري ، فلا كلام . وإن صححنا بيع الغائب ، فتعليق خيار الرؤية باللمسِ باطل . ويتطرق إلى هذا احتمال ؛ من جهة أن من اشترى شيئاً على شرط قطع خيار الرؤية ، ففي صحة العقد خلاف ذكرناه . فلا يمتنع تركُ هذا القول في الصورة التي ذكرناها . 3362 / م - والمنابذة أن تنبذ الشيءَ إلى غيرك وينبذ الغيرُ إليك . ثم ينقدح لها التأويلان المذكوران في الملامسة . قال الأئمة : المنابذة في العوض والمعوّض مع القرينة الدالة على إرادة البيع هي المعاطاة بعينها . فظاهر المذهب والنص أن المعاطاة لا تكون بيعاً ، وإن اقترنت قرائن أحوال بها . ولا بد من لفظٍ في العقد . وسأصف تفصيلاً في ألفاظ البيع في باب تجارة الوصي . وقال أبو حنيفة ( 2 ) : المعاطاة بيع من غير لفظ في المستحقراتِ ، وذكر ابنُ سريج قولين في أن المعاطاة مع القرائن في إرادة البيع هل تكون بيعاً ، وخرجهما على القولين في أن من ساق هدياً ، فعطب في الطريق ، فغمس نعله في دمه ، وضرب به صفحة سنامه ، فمن رأى تلك العلامةَ ، هل يحل له الأكل منه ؟ فعلى قولين . ولعلنا نعقد في قرائن الأحوال وآثارِها ومواقع الخلاف والوفاق فصلاً جامعاً ، في آخر كتاب البيع إن شاء الله تعالى .
--> ( 1 ) حديث النهي عن الملامسة والمنابذة . متفق عليه من حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد . ( اللؤلؤ والمرجان : ح 965 - 967 ) . ( 2 ) ر . تبيين الحقائق : 4 / 4 ، الاختيار : 2 / 4 .